محمد أبو زهرة

2082

زهرة التفاسير

ولما كان اليهود منهم أمة مقتصدة ، وأن كثيرا منهم ساء ما يعملون ، استثنى أهل الخير من أن يكونوا خائنين ، كسائرهم ، فقال : إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ولقد أجمع المفسرون على أن هذا القليل منهم : اليهود الذين دخلوا في الإسلام ، وآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به ، ويصح أن نعد منهم عددا قليلا محدودا من اليهود قد خالفوا سائرهم عندما كانوا يهمون بنكث العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فهؤلاء ، وإن لم يسلموا يصح أن يستثنوا من الذين يخونون وينكثون العهد ، ولقد أمر الله تعالى نبيه بأن يأخذ الناس بالعفو والصفح الجميل ، ولذا قال تعالى : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ العفو معناه في مثل هذه : عدم مقابلة الإساءة بمثلها ، والتجافي عنها ، وترك المؤاخذة عليها ، والصفح معناه : ترك المؤاخذة ، وترك اللوم والتثريب ، بل ترك العتاب عليها ؛ ولذلك قالوا : إن الصفح أعلى رتبة من العفو ، وقال في ذلك الراغب الأصفهاني في مفرداته : وهو - أي الصفح - أبلغ من العفو ؛ ولذلك قال تعالى : . . . فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا . . . ( 109 ) [ البقرة ] وقد يعفو الإنسان ولا يصفح ولكن لا يمكن أن يتحقق صفح من غير عفو ، إذ العفو ترك المقابلة بالمثل ظاهرا ، وقد يكون في النفس شئ ، أما الصفح فإنه يتناول السماحة النفسية ، واعتبار الإيذاء كأن لم يكن ، في المظهر والقلب . والإحسان يطلق على الإتقان ، ومن ذلك قوله تعالى : . . . إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ( 30 ) [ الكهف ] ويطلق على الإنعام على الغير ، ومن ذلك قول القائل : « أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم » والإحسان في هذه الآية يشمل المعنيين ، والإحسان فوق العدل ؛ لأن العدل مع غيرك إعطاؤه الحق الذي له ، والإحسان إعطاؤه الحق وزيادة ، ومعنى النص الكريم : إذا كانوا على هذه الصفة التي ذكرناها فلا تعاملهم بمثل أخلاقهم ، بل عاملهم بأخلاق النبوة التي تدعو إلى الحق ، وإلى صراط مستقيم ، فاعف عنهم ولا تؤاخذهم بذنوبهم ، فلا تعاملهم بالمثل إلا دفاعا عن الحوزة واصفح الصفح الجميل ، ولا تجعل في قلبك غلا ولا